أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
28
نثر الدر في المحاضرات
مراتب ذوي أخطارهم ، ولم يبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم ، وأشد توهينا لسلطانهم من غلبة السّفلة وذلّ الوجوه ، فاحذر الحذر كلّه أن تمكّن تلك الطبقة من الغلبة والحركة ، وإن نجم منهم بعد اليوم على جندك وأهل بلدك ناجم دهمهم منه ما لا رويّة فيه ولا بقيّة معه . فانصرف عن هذا الرأي إلى غيره ، واعمد إلى من قبلك من أولئك العظماء والأحرار فوزّع بينهم مملكتهم ، وألزم اسم الملك كلّ من ولّيته منهم ناحية ، واعقد التاج على رأسه ، وإن صغر ملكه ؛ فإن المتسمّي بالملك لازم لاسمه ، والمعتقد التاج لا يخضع لغيره ، ولا ينشب ذلك أن يوقع بين كل ملك منهم وبين صاحبه تدابرا وتقاطعا وتغالبا على الملك ، وتفاخرا بالمال حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك ، وأوتارهم قبلك ، وتعود حربهم لك حربا بينهم ، وحنقهم عليك حنقا منهم على أنفسهم ، ثم لا يزدادون في ذلك بصيرة إلا أحدثوا بها لك استقامة ، فإن دنوت منهم دانوا لك ، وإن نأيت عنهم تعزّزوا بك ، حتى يثبت كلّ ملك منهم على جاره باسمك ، ويسترهبه بجندك ، وفي ذلك شاغل لهم عنك ، وأمان لأحداثهم بعدك ، ولا أمان للدهر ، ولا ثقة بالأيام . قد أدّيت إلى الملك ما رأيته لي حظّا ، وعليّ حقّا من إجابتي إياه إلى ما سألني عنه ، مع أدائي النصيحة إليه فيه ، والملك أعلى عينا ، وأنفذ رويّة ، وآصل رأيا ، وأبعد همّة فيما استعان بي عليه ، وكلّفني تبيينه له ، والمشورة به ، فلا زال الملك متغرّفا من فوائد النعم ، وعواقب الصّنع ، وتوطّد الملك ، وتنقّل الأجل ، ودرك الأمل ، ما تأتي فيه مقدرته على غاية قصوى ما ينال البشر ، والسلام الذي لا انقضاء له ولا انتهاء ولا مدة فليكن على الملك والملك .